|| روح انثى ||
06-26-2010, 02:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القصص من كتاب ( أتمنى أن أكون صحابياً ) . للمؤلف/ مصطفى الزايد .
أتمنى لكم الفائدة منها ومما سيأتي بمشيئة الله بعد ذلك
أترككم الآن مع مقدمة المؤلف المختصرة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة على نبينا محمد سيد ولد آدم ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد ..
وأنا في هذه المجموعة القصصية لم أكلف نفسي عناء التخيل وابتكار الشخصيات ، وإنما قدمت لك – عزيزي القارئ – قصصاً جرت على الأرض ، ورويتها لك كما وقعت ، ونقلت لك أحداثها بأمانة ، وشخصياتها ما زالت تعيش بيننا .
وبعد فإننا من خلال هذه القصص وأمثالها تزداد ثقتنا بديننا ، ونرفع رؤوسنا شامخين ونحن ننظر إلى المدنية الغربية على علوها تحني هامتها أمام الإسلام .
وبشرى لأخواني المسلمين ليوقنوا أن الإسلام هو دين المستقبل ، فالعالم ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])اليوم يعيش موجة من الضلال والضيق الروحي ولا يجد الناس السعة والطمأنينة إلا في الإسلام .
المؤلف / مصطفى الزايد
القصة الأولى
توبة فوق السحاب
استقرت الطائرة على الوسادة الهوائية على ارتفاع ثلاثين ألف قدم ، وأصدر قائدها القرار بأنه يمكن للسادة الركاب أن يفكو أحزمتهم .
انطلقت الطائرة في هذا الصباح المشرق من مطار إحدى الدول العربية وعلى متنها شيخ ذو لحية يختلط البياض بسوادها ، وقد لبس ثوباً إلى أنصاف ساقيه ، ولف رأسه بعصابة أقرب ما تكون إلى العمامة ، وكان يبتسم لكل من تقع عيناه في عينيه ، ويبدو نور الإيمان واضحاً كإشراقة هذا الصباح في وجهه الصبوح ، كان الرجل معتاداً على مثل هذه الرحلة ، فهو يخرج كل عام إلى بعض البلاد يدعو إلى الله باذلاً جهده لإخراج العباد من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .
ورحلته اليوم إلى فرنسا من هذا النوع الدعوي الذي اعتاد عليه .
عندما أنهى قائد الرحلة كلماته عادت الطمأنينة إلى جو الطائرة وبدأت الحياة والحركة تسريان في الممرات وبين المقاعد ، وبدأت المضيفات بالطواف على الركاب يقدمن الضيافة ، ويلبين الطلبات .
ووقفت أمام الشيخ إحدى المضيفات بثوبها القصير وشعرها المسبل على كتفيها ، وتبرجهها الذي لون وجهها ابتسامة تقليدية اعتادت على صناعتها خلال التدريب وسنوات الخدمة ، وقدمت له الضيافة بإنحناءة خفيفة هي من طبيعة عملها .
لكنه اعتذر عن قبول الضيافة ، فابتسمت الابتسامة ذاتها قائلة : هل من شيء محدد أستطيع تقديمه لك يا سيدي ؟.
قال : نعم ، إذا تفضلت .
قالت : بكل سرور ، إذا كان بالإمكان .
قال : نعم بالتأكيد ، ولكن بعد أن تنتهي من ضيافة كل الركاب .
بدا لها الأمر غريباً ، لكنها هزت رأسها وسارت متابعة مهمتها في تقديم الضيافة للركاب ، وتوزيع الابتسامات عليهم .
وعندما أنهت عملها ، عادت إلى الشيخ قائلة بأدب : قد فرغت ، فتفضل بطلبك .
قال : إذا سمحتِ نادي أفراد الطاقم إلي ، وتعالي معهم .
ورغم غرابة الطلب ، إلا أنها نفذت ما طلب منها ، فاجتمعوا إلى الشيخ الذي رحب بهم وتعرف على أسمائهم ، ثم سأل كلاً منهم : منذ كم وأنت تسافر على متن الطائرة ؟.
فكانت إجاباتهم متفاوتة ، لكن أقل واحد منهم يسافر منذ خمس سنوات .
قال الشيخ : جميل ، يعني أنكم تستطيعون الإجابة على سؤالي بحكم تجربتكم .
قالوا تفضل . . أسأل .
قال : ما الذي يمسك الطائرة فلا تقع على الأرض ؟.
استغرب الجميع من هذا السؤال ، ولم يتوقعوه منه ، وحاروا في الإجابة ، وقال كل منهم : في الحقيقة لم أسأل نفسي هذا السؤال في يوم من الأيام ، ولم يخطر ببالي مطلقاً .
قال الشيخ : قال تعالى : " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ " (الملك 19)
ثم تابع : يا إخوتي هذه الطائرة الثقيلة ونحن جميعاً على متنها تطير بأمر الله ، فهو الذي يمسكها برحمته ، ولو شاء لتركها فما يحملها حامل ، ولسقطت على الأرض وتحولنا جميعاً إلى فتات من اللحم يختلط بالتراب .
أطرقوا جميعاً إلى الأرض وقالوا : صدق الله العظيم ، وصدقت يا شيخ ، فتابع الشيخ قائلاً : لو تعرضت الطائرة لخطر ما وأظهر الطيار عجزه عن تلافيه ، وانبأنا بالكارثة القادمة ، فماذا نفعل ؟.
قالوا جميعاً : نلجأ إلى الله .
قال : كيف نلجأ إليه ؟.
قال بعضهم : بالاستغفار ، وقال البعض : بالدعاء ، وقال آخرون : بالصلاة .
قال الشيخ : وبأي وجه نتوجه إليه ونحن أغفلنا ذكره ، وأعرضنا عن دعائه ، وتركنا الصلاة له ونحن سالمون ، والله سبحانه ،يقول : "يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) " القلم .
وأين نحن من قوله تعالى : "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ {152}" سورة البقرة
فسبحانه يقول:اذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة
كان الجميع مطرقين بخجل من أنفسهم وتقصريهم في جنب الله ، والشيخ يتلو عليهم ما فتح الله عليه به من آياته الكريمة ، فعاهده جميعاً أن يبدؤوا بالصلاة في أول مطار ينزلون به .
القصة الثانية
أتمنى أن أكون كذلك
حططنا رحالنا في روسيا ، وفي مدينة موسكو العاصمة كان منظرنا ملفتاً للنظر حقاً ، فجميعنا نلبس مثل لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثياباً إلى منتصف الساق ، ونلف رؤوسنا بالشماغات و المناديل على هيئة العمامة ، ولحانا طويلة إتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
صحبنا إمام المسجد في جولتنا الدعوية فكان بمثابة دليل ومترجم يطوف بنا أحياء المدينة لعل الله يهدينا ويهدي بنا عباده إلى دينه الذي ارتضاه .
وبينما نحن نسير إذ طلعت في وجهنا فتاة في الثلاثين من عمرها فلما رأت منظرنا صاحت بدهشة : ما هذا أيها المخنثون ، أليس عيباً عليكم أن تلبسوا ثياب النساء و أنتم رجال ؟، ألا تخجلون من أنفسكم ؟! .
كانت ترطن بالروسية بانفعال بدا واضحاً على وجهها ، فأطرق إمام المسجد ، فقلت له ماذا تقول هذه المرأة ؟.
فترجم لي كلماتها بخجل بعد أن حذف كلمة ( المخنثين ) والتي أخبرني بها فيما بعد .
فقلت له أسرع ونادها إلينا .
فلما جاءت طلبت منها إعادة ما قالت ، فأعادت دون وجل ، فقلت لإمام المسجد : قل لها نحن نلبس هذه الثياب تشبهاً بنبينا الذي كان يرتدي ثياباً بهذه الهيئة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، ونحن نلبس لباسه حباً به .
فلما ترجم لها الكلام ، دهشت وقالت : إن ديناً يتقيد أتباعه بلباس نبيهم بعد ألف وأربعمائة سنة حتى وإن كانت ملابس نساء لا بد أن تكون عقيدته قوية ، ما هو دينكم ؟.
فقلت لها والإمام يترجم بيننا – ديننا الإسلام ، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وأمرنا فيه ألا نكذب لا في المزاح ولا في الجد ، ولا في الخوف ولا في الأمن ، وأمرنا أن لا نعتدي على الآخرين ، وألا نظلم أحداً ، وألا نأكل مالاً ظلماً ، وألا نخون أمانة وألا نسخر من أحد من عباده ، وألا نشرب خمراُ أو شيئاً يفقدنا العقل ، وأمرنا أن نصل الأرحام ، ونقيم العدل ، وننصر المظلوم ، ونؤتي كل ذي حق حقه ، و ..... وحدثتها عن أخلاقيات الإسلام فصاحت بعفوية : آه أنا مثلكم ، أنا أحب أن أكون كذلك ، إذاً أنا على دينكم !!. قلت لها : لا .. لست على ديننا إلا إذا آمنت بما نؤمن به ، وعرضت عليها الإسلام و التوحيد .
فقالت : آه .. لطالما كنت أفكر بأنه لابد من خالق واحد ترجع إليه جميع المخلوقات ، أنا مدرسة في الجامعة ، وكثيراً ما كنت أناقش طلابي في قضية العبثية التي نشأ منها الكون وأنها مستحيلة ، وكنت أقول لهم دائماً : لا بد أن يصل العلم في يوم ما إلى حقيقة ثابتة هي تلك القوة التي أوجدت ونظمت العلاقات بين أطراف الكون ، وسخرت كلاً منها للآخر ، وسخرتها جميعاً للإنسان.
إنني أؤمن بما تؤمنون به ، علموني كيف أصبح مثلكم ؟.
فعلمناها الشهادتين ونطقت بهما ، ثم قالت : ماذا يترتب علي جراء انتمائي للإسلام ، أنا مستعدة لدفع المبلغ المحدد ( كرسم اشتراك ) سنوي أو شهري .
قلنا لها : ليس عليك دفع أي مبلغ ، وإنما هناك واجبات هي أركان الإسلام سيعلمك أداءها إمام المسجد.
وأعطاها الإمام عنوان المسجد ، فقالت : وهل علي أن ألبس مثل لباسكم هذا ؟.
فضحكت وقلت لها : ملابس النساء ، (وهي العبارة التي قالتها في بداية اللقاء) ، إذ أن الرجال غلب على مظهرهم اللباس الإفرنجي ، أما الثوب القصير لباس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقد تخلى عنه المسلمون ، وقصرت النساء ثيابهن ، فصار غريباً على الرجل لبس الثوب القصير ، إذ أصبح العرف أنه للنساء .
فقالت : لا بل لباس النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت لها : لا .. وإنما تلبسين لباس أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين ( الجلباب ) ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ( الأحزاب 59 ) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
القصص من كتاب ( أتمنى أن أكون صحابياً ) . للمؤلف/ مصطفى الزايد .
أتمنى لكم الفائدة منها ومما سيأتي بمشيئة الله بعد ذلك
أترككم الآن مع مقدمة المؤلف المختصرة
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وأفضل الصلاة على نبينا محمد سيد ولد آدم ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
وبعد ..
وأنا في هذه المجموعة القصصية لم أكلف نفسي عناء التخيل وابتكار الشخصيات ، وإنما قدمت لك – عزيزي القارئ – قصصاً جرت على الأرض ، ورويتها لك كما وقعت ، ونقلت لك أحداثها بأمانة ، وشخصياتها ما زالت تعيش بيننا .
وبعد فإننا من خلال هذه القصص وأمثالها تزداد ثقتنا بديننا ، ونرفع رؤوسنا شامخين ونحن ننظر إلى المدنية الغربية على علوها تحني هامتها أمام الإسلام .
وبشرى لأخواني المسلمين ليوقنوا أن الإسلام هو دين المستقبل ، فالعالم ([فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات])اليوم يعيش موجة من الضلال والضيق الروحي ولا يجد الناس السعة والطمأنينة إلا في الإسلام .
المؤلف / مصطفى الزايد
القصة الأولى
توبة فوق السحاب
استقرت الطائرة على الوسادة الهوائية على ارتفاع ثلاثين ألف قدم ، وأصدر قائدها القرار بأنه يمكن للسادة الركاب أن يفكو أحزمتهم .
انطلقت الطائرة في هذا الصباح المشرق من مطار إحدى الدول العربية وعلى متنها شيخ ذو لحية يختلط البياض بسوادها ، وقد لبس ثوباً إلى أنصاف ساقيه ، ولف رأسه بعصابة أقرب ما تكون إلى العمامة ، وكان يبتسم لكل من تقع عيناه في عينيه ، ويبدو نور الإيمان واضحاً كإشراقة هذا الصباح في وجهه الصبوح ، كان الرجل معتاداً على مثل هذه الرحلة ، فهو يخرج كل عام إلى بعض البلاد يدعو إلى الله باذلاً جهده لإخراج العباد من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها .
ورحلته اليوم إلى فرنسا من هذا النوع الدعوي الذي اعتاد عليه .
عندما أنهى قائد الرحلة كلماته عادت الطمأنينة إلى جو الطائرة وبدأت الحياة والحركة تسريان في الممرات وبين المقاعد ، وبدأت المضيفات بالطواف على الركاب يقدمن الضيافة ، ويلبين الطلبات .
ووقفت أمام الشيخ إحدى المضيفات بثوبها القصير وشعرها المسبل على كتفيها ، وتبرجهها الذي لون وجهها ابتسامة تقليدية اعتادت على صناعتها خلال التدريب وسنوات الخدمة ، وقدمت له الضيافة بإنحناءة خفيفة هي من طبيعة عملها .
لكنه اعتذر عن قبول الضيافة ، فابتسمت الابتسامة ذاتها قائلة : هل من شيء محدد أستطيع تقديمه لك يا سيدي ؟.
قال : نعم ، إذا تفضلت .
قالت : بكل سرور ، إذا كان بالإمكان .
قال : نعم بالتأكيد ، ولكن بعد أن تنتهي من ضيافة كل الركاب .
بدا لها الأمر غريباً ، لكنها هزت رأسها وسارت متابعة مهمتها في تقديم الضيافة للركاب ، وتوزيع الابتسامات عليهم .
وعندما أنهت عملها ، عادت إلى الشيخ قائلة بأدب : قد فرغت ، فتفضل بطلبك .
قال : إذا سمحتِ نادي أفراد الطاقم إلي ، وتعالي معهم .
ورغم غرابة الطلب ، إلا أنها نفذت ما طلب منها ، فاجتمعوا إلى الشيخ الذي رحب بهم وتعرف على أسمائهم ، ثم سأل كلاً منهم : منذ كم وأنت تسافر على متن الطائرة ؟.
فكانت إجاباتهم متفاوتة ، لكن أقل واحد منهم يسافر منذ خمس سنوات .
قال الشيخ : جميل ، يعني أنكم تستطيعون الإجابة على سؤالي بحكم تجربتكم .
قالوا تفضل . . أسأل .
قال : ما الذي يمسك الطائرة فلا تقع على الأرض ؟.
استغرب الجميع من هذا السؤال ، ولم يتوقعوه منه ، وحاروا في الإجابة ، وقال كل منهم : في الحقيقة لم أسأل نفسي هذا السؤال في يوم من الأيام ، ولم يخطر ببالي مطلقاً .
قال الشيخ : قال تعالى : " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ " (الملك 19)
ثم تابع : يا إخوتي هذه الطائرة الثقيلة ونحن جميعاً على متنها تطير بأمر الله ، فهو الذي يمسكها برحمته ، ولو شاء لتركها فما يحملها حامل ، ولسقطت على الأرض وتحولنا جميعاً إلى فتات من اللحم يختلط بالتراب .
أطرقوا جميعاً إلى الأرض وقالوا : صدق الله العظيم ، وصدقت يا شيخ ، فتابع الشيخ قائلاً : لو تعرضت الطائرة لخطر ما وأظهر الطيار عجزه عن تلافيه ، وانبأنا بالكارثة القادمة ، فماذا نفعل ؟.
قالوا جميعاً : نلجأ إلى الله .
قال : كيف نلجأ إليه ؟.
قال بعضهم : بالاستغفار ، وقال البعض : بالدعاء ، وقال آخرون : بالصلاة .
قال الشيخ : وبأي وجه نتوجه إليه ونحن أغفلنا ذكره ، وأعرضنا عن دعائه ، وتركنا الصلاة له ونحن سالمون ، والله سبحانه ،يقول : "يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) " القلم .
وأين نحن من قوله تعالى : "فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ {152}" سورة البقرة
فسبحانه يقول:اذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة
كان الجميع مطرقين بخجل من أنفسهم وتقصريهم في جنب الله ، والشيخ يتلو عليهم ما فتح الله عليه به من آياته الكريمة ، فعاهده جميعاً أن يبدؤوا بالصلاة في أول مطار ينزلون به .
القصة الثانية
أتمنى أن أكون كذلك
حططنا رحالنا في روسيا ، وفي مدينة موسكو العاصمة كان منظرنا ملفتاً للنظر حقاً ، فجميعنا نلبس مثل لباس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثياباً إلى منتصف الساق ، ونلف رؤوسنا بالشماغات و المناديل على هيئة العمامة ، ولحانا طويلة إتباعاً لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم .
صحبنا إمام المسجد في جولتنا الدعوية فكان بمثابة دليل ومترجم يطوف بنا أحياء المدينة لعل الله يهدينا ويهدي بنا عباده إلى دينه الذي ارتضاه .
وبينما نحن نسير إذ طلعت في وجهنا فتاة في الثلاثين من عمرها فلما رأت منظرنا صاحت بدهشة : ما هذا أيها المخنثون ، أليس عيباً عليكم أن تلبسوا ثياب النساء و أنتم رجال ؟، ألا تخجلون من أنفسكم ؟! .
كانت ترطن بالروسية بانفعال بدا واضحاً على وجهها ، فأطرق إمام المسجد ، فقلت له ماذا تقول هذه المرأة ؟.
فترجم لي كلماتها بخجل بعد أن حذف كلمة ( المخنثين ) والتي أخبرني بها فيما بعد .
فقلت له أسرع ونادها إلينا .
فلما جاءت طلبت منها إعادة ما قالت ، فأعادت دون وجل ، فقلت لإمام المسجد : قل لها نحن نلبس هذه الثياب تشبهاً بنبينا الذي كان يرتدي ثياباً بهذه الهيئة منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة ، ونحن نلبس لباسه حباً به .
فلما ترجم لها الكلام ، دهشت وقالت : إن ديناً يتقيد أتباعه بلباس نبيهم بعد ألف وأربعمائة سنة حتى وإن كانت ملابس نساء لا بد أن تكون عقيدته قوية ، ما هو دينكم ؟.
فقلت لها والإمام يترجم بيننا – ديننا الإسلام ، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، وأمرنا فيه ألا نكذب لا في المزاح ولا في الجد ، ولا في الخوف ولا في الأمن ، وأمرنا أن لا نعتدي على الآخرين ، وألا نظلم أحداً ، وألا نأكل مالاً ظلماً ، وألا نخون أمانة وألا نسخر من أحد من عباده ، وألا نشرب خمراُ أو شيئاً يفقدنا العقل ، وأمرنا أن نصل الأرحام ، ونقيم العدل ، وننصر المظلوم ، ونؤتي كل ذي حق حقه ، و ..... وحدثتها عن أخلاقيات الإسلام فصاحت بعفوية : آه أنا مثلكم ، أنا أحب أن أكون كذلك ، إذاً أنا على دينكم !!. قلت لها : لا .. لست على ديننا إلا إذا آمنت بما نؤمن به ، وعرضت عليها الإسلام و التوحيد .
فقالت : آه .. لطالما كنت أفكر بأنه لابد من خالق واحد ترجع إليه جميع المخلوقات ، أنا مدرسة في الجامعة ، وكثيراً ما كنت أناقش طلابي في قضية العبثية التي نشأ منها الكون وأنها مستحيلة ، وكنت أقول لهم دائماً : لا بد أن يصل العلم في يوم ما إلى حقيقة ثابتة هي تلك القوة التي أوجدت ونظمت العلاقات بين أطراف الكون ، وسخرت كلاً منها للآخر ، وسخرتها جميعاً للإنسان.
إنني أؤمن بما تؤمنون به ، علموني كيف أصبح مثلكم ؟.
فعلمناها الشهادتين ونطقت بهما ، ثم قالت : ماذا يترتب علي جراء انتمائي للإسلام ، أنا مستعدة لدفع المبلغ المحدد ( كرسم اشتراك ) سنوي أو شهري .
قلنا لها : ليس عليك دفع أي مبلغ ، وإنما هناك واجبات هي أركان الإسلام سيعلمك أداءها إمام المسجد.
وأعطاها الإمام عنوان المسجد ، فقالت : وهل علي أن ألبس مثل لباسكم هذا ؟.
فضحكت وقلت لها : ملابس النساء ، (وهي العبارة التي قالتها في بداية اللقاء) ، إذ أن الرجال غلب على مظهرهم اللباس الإفرنجي ، أما الثوب القصير لباس النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقد تخلى عنه المسلمون ، وقصرت النساء ثيابهن ، فصار غريباً على الرجل لبس الثوب القصير ، إذ أصبح العرف أنه للنساء .
فقالت : لا بل لباس النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت لها : لا .. وإنما تلبسين لباس أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين ( الجلباب ) ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) ( الأحزاب 59 ) .